هذا المقال هو تلخيص ومناقشة وتعليق على مقال مطوَّل بعنوان "اللغة العربية والهوية المسيحية الأرثوذكسية القبطية"(¹) نشره موقع الأنبا تكلا هيمانوت الذي يضم تراث الكنيسة الأرثوذكسية المصرية.
مقدمة المقال الكنسي تبين أنه موجه للأسر التي أهملت جهلًا أو عمدًا تعليم أبنائها اللغة العربية في داخل مصر أو في بلاد المهجر، وأن لذلك الأمر مخاطر على إيمان الأجيال القادمة بالعقيدة الأرثوذكسية القبطية التي تتبناها الكنيسة المصرية تحديدًا بأفرعها في العالم كله.
ينتقل المقال بعدها لبيان دور اللغة في تشكيل الفكر والهوية، وأنها ليست مجرد أداة للتواصل، بل روح تحمل في طياتها الأفكار والمشاعر والدلالات التي تشكلها الخلفية الثقافية والمجتمعية والأطر التاريخية والحضارية التي تجعل من العصي على الترجمة أن تنقلها كاملةً إلى المتلقي بلغة أجنبية بدون أن تفقد الكثير من حِملها وثقلها المعنوي، كما أنها قد تُفقِد النص الأصلي جزءًا كبيرًا من جودته ورونقه عند ترجمة عِظَة من العربية إلى الإنجليزية على سبيل المثال.
يأسف الكاتب لضعف نمو الكنيسة القبطية في المهجر وضعف حركة الترجمة إلى لغات المهجر رغم وجود ما يقارب المليوني قبطي خارج مصر بحسب تصريحه، هذا الضعف في حركة الترجمة يجعل معظم تراث الكنيسة القبطية باللغة العربية حصرًا (بمستوييها الفصيح لغة الكتب، والعامي لغة المحتوى المرئي والمسموع)، ونمو الكنيسة بوتيرة أبطأ من وتيرة هجرة الأقباط يجعل أغلب كهنة المهجر هناك مصريين، والذين ربما لا يمتلكون التأهيل اللغوي أو الثقافي للبلد الذي يعيشون فيه بالقدر الذي يمكِّنهم من مقاومة الأفكار الغريبة التي تواجههم.
هذا كله يجعل كنائس المهجر تعتمد بالأساس على ما تستورده من الكنيسة الأم في مصر من وُعَّاظ وترانيم وكتب إلخ. وبالتالي يجعل الكنيسة القبطية في أَمَسِّ الحاجة إلى اللغة العربية، بينما يؤدي إهمال الأهل لتعليم أبنائهم اللغة العربية إلى ضعف مَلَكاتها عند الأبناء قراءةً أو تحدُّثًا، ومن ثَمَّ يؤدي لتأثُّر تلك الخدمات في غياب اللغة العربية عند أتباع الكنيسة، فتبدأ هُوية الجيل الجديد في التذبذب والميل للثقافة والهوية الأجنبية، مما يفصل الكنيسة عنهم ويحد من تأثيرها.
ويحذِّر الكاتب من أن ذلك الانفصال قد يحصل حتى في داخل مصر وليس فقط لأقباط المهجر مع ما نراه من اهتمام بالتعليم الأجنبي بكل مراحله الأساسية والجامعية. ويؤكد على ضرورة أن يتعلم الطفل اللغة العربية بمهاراتها الأربعة وليس فقط مجرد الفهم العام، وأن خطورة الاكتفاء بتعليم الأطفال مستوً متدنيًا من اللغة قراءةً أو استماعًا من دون انخراط في استخدامها الإيجابي كتابةً وتحدثًا تتمثل في أن الجيل التالي الذي يعاني من ضعف أو انعدام اللغة العربية لديه لن يصبح قادرًا على تمرير اللغة وبالتالي الهوية الأرثوذكسية القبطية لأولادهم، وهو أمر واضح ومُشاهَد. وأنا أتفق مع كاتب المقال في خطورة هذه النقطة وأن لها نفس الأثر على الأجيال المسلمة، بل أن تأثيرها على أبناء المسلمين أكبر؛ إذ أن العربية لغة محورية في الإسلام بشكل أكبر مما هي عليه بالنسبة للكنيسة القبطية.
ثم يؤكد الكاتب على أن اللغة العربية ليست قضية أو شأن إسلامي حصري، بل هي ضرورة حتمية للحفاظ حتى علي الهوية المسيحية الأرثوذكسية القبطية في ظل الصِّراعات والحروب الثقافية والإعلامية التي تعاني منها بالخارج.
وأن من الخطأ الظن بأنه لمجرد ترجمة الكتاب المقدس للغات العالم وترجمة القُدَّاسات المُصَوَّرَة إلى الإنجليزية، فإنه لا حاجة للغة العربية. فالذي يظن هذا قد نسى أن الكنيسة الأم قد نَمَت وأنتجت ثِمارها من كتب وعظات وألحان وطقوس لأكثر من 1300 عام باللغة العربية.
وينبه إلى أن انتشار النصرانية في كل أنحاء العالم وفي الغرب تحديدًا - بشكل صوري حسب تعبيره - لا يعني أنهم يعتنقون نفس الديانة التي يعتنقها الأقباط، وأن الاعتماد فقط على كنيسة المهجر المبتدئة خطأ، وأنه يجب بحسب رأيه ربط الأطفال بالكنيسة القوية التي في مصر.
ويقول بأن ترجمة هذه المحتويات تُقابله عوائق منها:
1. أن ترجمة كل أو حتى اليسير مما أسماه كنوز الكنيسة الأم إلى اللغة الإنجليزية يحتاج إلى جيش من المترجمين المتمرسين، وهذا غير متوافر علي الإطلاق. كما أن الأمر أسوأ مع بلدان أخرى لا تتحدث حتى الإنجليزية.
2. لا يمكن مشاهدة عِظة لمدة ساعة عن طريق قراءة الترجمة؛ لأن هذا غير عملي ويُفْقِد المشاهد التركيز.
3. الترجمة دائمًا تكون ظالِمة للمحتوَى أو الأصل العربي، وفي أغلب الأحيان تفشل تمامًا في نقل المعنى والروح، وقد تسيء إلى الرسالة الأصلية. وتكون النتيجة أن يفشل الشخص الذي تربى بالخارج في تعلم العقيدة بسبب قيود اللغة؛ لأن أهله اكتفوا بلغة البلد الذي يعيشون فيه ولم يصروا على أن يتعلم العربية.
ثم يضرب المثل بحادثة وقعت في إحدى بلاد المهجر، حيث أن بعض الخدام القائمين علي تعليم العقيدة داخل الكنيسة اضطرّوا للجوء إلى كتب بالإنجليزية أصدرتها الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، ظَنًّا منهم أنها الأقرب إلى العقيدة الأرثوذكسية المصرية، فانتهى بهم البحث في هذه الكتب الغريبة إلى تشتت ذِهنهم عما أسماه العقيدة المستقيمة، كما أن عدم معرفتهم بالعربية منعهم من مقارنة الأفكار التي في تلك الكتب مع ما في إصدارات الكنيسة القبطية التي هي وفق تعبيره حبيسة اللغة العربية.
ويقول أن استخدام اللغة العربية لن يدوم طويلًا في كنائس المهجر بطبيعة الحال، لكن يظل تعلمها أمر حتمي يجب على الأجيال الأرثوذكسية في المهجر أن يتمسكوا ويتواصوا به لأطول فترة ممكنة حتى يأتي اليوم الذي تَقْوَى فيه الكنائس المصرية في المهجر وتصبح قادرة على الاستقلال بذاتها عن الكنيسة الأم.
وأن النصارى لا يفهمون كل ما يقال في القداس باللغة القبطية، وأنه لا يريد للجيل الجديد أن يصل إلى هذا الحال مع الصلوات التي تقام بالعربية، خاصةً وأن العربية ليست لغة ميتة بل هي ذات أهمية عالمية؛ فهي الخامسة عالميًا من حيث عدد المتحدثين، وبالتأكيد ستستفيد الأجيال الجديدة منها. وعليه فإن الكنيسة القبطية تناشد الأهالي ببذل كل المجهود والاهتمام اليومي وتوفير كل الوسائل التي تساعد الأبناء علي تعلم اللغة العربية، واعتبار هذا الواجب مقدس لارتباطه الوثيق بتأسيس وترسيخ الهوية الأرثوذكسية القبطية.
ويختتم الكتيب بمجموعة من النصائح العملية لتحقيق هذا الهدف، وهي:
1.إصرار الأهل والأصدقاء والمحيط الاجتماعي علي التحدث باللغة العربية مع الأبناء وإصرارهم أن يقوم الأبناء بالرد عليهم بها واستخدامها للتواصل مع الأهل في مصر، واستخدام لغة البلد الأجنبية مع أهل البلد الأجنبي فقط.
2. القراءة اليومية للكتاب المقدس والكتب الروحية وما يتصل بها باللغة العربية مما توفره الكنيسة على المواقع.
3. ترديد الترانيم في المنزل باللغة العربية.
4. إعطاء دروس خصوصية في اللغة العربية على يد مدرسين عرب متخصصين أو في مراكز تعلم اللغة العربية أو إرسال الأبناء لدورات تعليم اللغة العربية التي توفرها بعض كنائس المهجر. وإن لم توجَد فعلى الأهل مطالبة الكنيسة بتوفير مثل تلك الدورات.
5. حَثّ القساوسة وخدام الكنيسة لمناقشة هذا الموضوع الحيوي مع الشعب، ونشر التوعية بشأنه.
6. مشاهدة أفلام ومسلسلات عربية مُحترمة وبخاصة التي تساعد على غَرْس القيم والأخلاق وحِس الفكاهة المصرية.
7. قضاء الأجازات في مصر - إن أمكن - مع الأهل والأصدقاء ليتفاعلوا باللغة العربية.
8. إرسال الأبناء في المهجر في رحلات خدمية ورحلات لزيارة الأديرة مع الأبناء في مصر.
وأخيرًا يدعو الكاتب الكنائس الأرثوذكسية الأخرى في باقي البلاد العربية أو غيرها للاهتمام باللغات الأم المكتوب بها أمهات الكتب الإيمانية والعقائدية الأساسية.
أقول: قد تختلف المنطلقات وتتفق المصالح؛ فتمسُّك الكاتب باللغة العربية هو تمسك المجبر لا البطل؛ فالكنيسة لا تنظر للغة العربية كلغة ذات قدسية كما يراها المسلمون، لكنهم ينظرون إلى أن محتوى ثلاثة عشر قرنًا من التراث القبطي أصبح بقاؤه مرهونًا ببقاء الأداة الموصلة إليه ألا وهي اللغة العربية بشقيها الفصيح والعامي.
وعلى نصارى مصر شركاء الوطن أن يعلموا أن مصلحتهم تتوافق مع مصلحة المسلمين في هذا الشأن وتقتضي دعم اللغة العربية في الداخل والخارج بأقصى ما يمكن، وأن اللغة العربية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من نسيج هذا البلد لا يمكن الارتداد عنه وأن محاولات إحياء لغة ميتة المدعومة بواسطة بعض العلمانيين أو المتطرفين بأي شكل من الأشكال لن ينتج إلا واقعًا سيئًا يضر الأجيال التالية من المصريين أيًا كان دينهم ولا ينفع إلا أعداء الامة.
وأرجو من المسلمين أن يكون حرصهم على تعليم اللغة العربية لأبنائهم في الداخل والخارج أكبر وأكثر؛ فإن الكنيسة بإمكانها أن تستغني عن العربية يومًا ما راغبةً في ذلك أو مضطرةً إليه، لكننا كمسلمين لا نستطيع أن نفعل نفس الشيء أبدًا.
كُتِبَت المسودة الأولى منه في 30 سبتمبر 2023م
No comments:
Post a Comment