كلمة "شَيْء" هي إحدى أكثر الكلمات المستخدمة في العربية، وهي كذلك إحدى أكثر الكلمات التي تعرضت للتحريف في عاميات الحديث العربية حتى تكاد لا تظهر ولا يُتَعَرَّف عليها بشكلها الفصيح رغم أننا ننطقها عشرات المرات يوميًا. وهي تظهر في الأمثلة التالية من العاميات المختلفة:
1. إيش؟ شو؟ إيه؟
وهو استفهام أحسب أنه يظهر في اللهجات الخليجية وبعض لهجات البدو في مصر خصوصًا، وهو مركب من كلمة الاستفهام "أي" وكلمة "شَيْ" ليظهر التعبير العربي "أَي شيء؟" مع التخفف من نطق الهمزة - وهو أمر شائع في العاميات العربية قديمًا وحديثًا، ولعله مرتبط بحداثة التمثيل الصوتي للهمزة - أصبحت "أي شَي" ثم دُمجَت مع سرعة التحدث بها لتظهر ككلمة واحدة هي "إيش" في تعبيرات من نوع: إيش تاكل؟ بمعنى: أي شيء تأكل؟ وأصبحت مع طول الاستعمال تستخدم بديلًا عن كلمة الاستفهام "ماذا" للسؤال عن غير العاقل.
وفي كثير من اللهجات المصرية حُذِفت الشين لتصبح الكلمة "إيه؟" ربما بإضافة هاء السكت، وقد تكون حُرفَت عن "أيُّها" يعني "أي الأشياء"
2. إشمِعنى؟
من دمج كلمة "إيش" السابقة مع كلمة "مَعنى" لتصبح "إيش معنى" يعني "ما معنى" كقولهم: إشمعنى أنا مش مسافر معاكم؟ يعني: ما معنى أنني لن أسافر معكم؟ يتساءل ما معنى ذلك؟ لماذا يحدث؟ وما الحكمة من وراءه؟ وتستعمل بطول التكرار بمعنى "لماذا تحديدًا" ونرى أن كلمة "معنى" تنطق مكسورة الميم ربما لقربها من الهمزة المكسورة.
3. ليش؟
لأي شيء؟ وتستخدم للاستفهام عن السبب. ومثلها: ليه؟ في اللهجات المصرية والتي تكتفي بتحريف "لأي؟" ومثلها "لَشو؟" في اللهجات الشامية التي تتركب من "لأي شيء هوَ؟"
4. شِنو؟
وفي بعض اللهجات ومنها لهجة أهل تونس يقال مثلًا: اشنوحوالك؟ وأصلها: أَيُّ شَيءٍ هِي أحوالَك؟ بمعنى: كيف حالك؟ وظهرت النون مكتوبة في العامية بسبب تنوين كلمة شيء في التعبير الفصيح.
5. مَعَلِّش
من جملة "ما عليه شيء" خففت إلى "ما عليه شِي" وسهلوا فتحة الشين إلى كسرة لقربها من الياء، وتقال للاعتذار، فيقال: اعذر فلانًا فهو ما عليه شيء. وكأنه غير مسئول عن تصرفاته. ثم أصبحت تقال للاعتذار والتخفيف في المطلق.
والبعض ينطقون الهاء والياء كلاهما أو أحدهما في أواخر الكلمات فيقولون "معلهشي، معلهش"
6. صيغة النفي: ماعملتِش
من صيغ نفي الماضي في الفصيحة "ما + الفعل الماضي" على غرار ما عَمِلتُ شيء، وأمثالها: ما أكلت شيء "ماكلتش" - ما شربت شيء "ماشربتش" ثم توسع استخدامها لتصبح صيغة النفي في المطلق في اللهجة المصرية وغيرها (ما + فعل + ش) "مانمتش، مارحتش، ماعندوش/ماعندهوش (ما عنده شي) مافيش/مافِهش/ مافِهشي/مافيهوش (ما فيه شيء) وأريد لها الاطراد فأصبحت الشين تنطق حتى لو جاء مفعول به مباشر بعد صيغة النفي، فيقال: "ما سافرتش البلد"
7. مش
أصبحت "ما والشين" أداتا نفي في العاميات، حتى أصبحت كلمة "مش" المكونة من اجتماعهما أداة نفي مستقلة تستعمل خاصة في الحديث عن المستقبل، وأحيانًا الحاضر: مش رايح، مش عارف. وتُنطَق في العاميات بفتح الميم: مَشْ، وضمها: مُشْ، وكسرها: مِشْ.
8. كُلَّشِنْكان
وأصلها "كل شَيءٍ كان" أي من كل نوع، وكل ما يمكن. واستخدمت للتقليل من قيمة الشيء. فيقال: البضاعة دي كلشنكان. وهو تعبير قديم نسبيًا.
9. بَلاش، بَلاشي، بَلُّوشِي
وأصلها "بلا شيء" يعني: بدون مقابل أو بدون قيمة للدلالة على الرخص أو عدم القيمة، كقولهم عن السؤال عن سعر شيء إنه "ببلاش" أي بدون مقابل، ونلاحظ أن باء المقابلة اُضيفت قبل كلمة بلاش رغم احتواءها على باء المقابلة مما يدل على أن التعبير الأصلي أصبح مجهولًا بالنسبة للعوام مع طول الاستخدام.
وبعض الأشخاص ينطقون ياء شيء ليصبح التعبير بلّوشي.
ويُستَعمل التعبير أحيانًا للنهي عن الفعل باعتبار أنه بلا قيمة أو للنهي عموما: بلاش تروح - بلاش تسافر.
ونسمع أحيانا " ما بلاش" ولعل استحضار (ما) هنا لأن التعبير يأتي قياسا على أفعال النهي "ما تعملش" وكأن التركيب "بلاش" في حد ذاته فعل، وهذا يخبرنا بمدى قياسية اللهجات العامية.
10. شوَيّ، شوَيَّة
وهي من شُوَيء، شُوَيئًا تصغير شَيء للتعبير عن القلة والتبعيض. وتستخدم لتقليل الوقت في مثل: استناني شوية يعني انتظرني قليلًا، وتقليل المقابل المادي مثلما عند سؤال أحدهم: كم تقبض؟ فيقول: شوية يعني القليل.
وبالعكس يُستخدم تعبير شوية وشويَّات للتعبير عن الكثرة.
11. ماليش، مافيش
وأصلها "ما فيه/ا شيء" و "ما لي شيء" ولدينا الجملة الشهيرة من الأغنية المغربية:
أنا ما لي فيها ش
وبعد قليل نجد جملة: أقلق من رزقي لاش بإضافة الشين إلى لا النافية نفسها، ونرى كلمات كثيرة تنتهي بحرف الشين في اللهجة المغربية مثل: كيفاش
وفي لهجات أخرى نجد "قديش" أو "أديش" و"وقتيش" أو "وأتيش" فكلمة ايش أصبحت لا تتجزأ.
وانتشار هذه العبارات في اللهجات العربية يثبت أن أصلها اللغة العربية وليس اللغات المحلية القديمة كما يدعي الجهلة.
وهكذا نرى بتحليل النماذج أن بعض أكثر تعبيرات الحديث إغراقًا في العامية فيما يبدو هي بعض أقربها إلى الفصحى وأكثرها صلةً بها، ونعرف أن لهجات حديثنا العامية لم تأت من فراغ وإنما هي عربية أصيلة توارثناها منذ أن كان الفارق بين اللغة المكتوبة والمنطوقة ضئيلًا.
تشبه تلك التحولات ما حدث مع التركيب الشائع "رأس مال" فلقد خُففت همزته ليصبح "راس مال" بحيث مع تردده أصبح يُنطَق كما لو كان كلمة واحدة "راسمال" مما جعل ألفه أقصر بحيث تُنطَق فتحة "رَسمال" أو تُمال لتُنطَق كسرة "رِسمال" أو حتى أقرب لياء "ريسمال" وهذه العوامل التي تحدث للغتنا تشبه عوامل التعرية والتجوية والنقل والترسيب التي تحدث للصخور بفعل الهواء أو الماء، وهي عوامل طبيعية تحدث لأي لغة مع الزمن، لكن ما هو غير طبيعي هو أن يبعدنا ذلك عن لغتنا؛ فالواجب أن نصلح ونقترب من لغتنا لا أن نقف مشاهدين.
No comments:
Post a Comment