وأشيَع هذه الأبجديات عالميًا هي الأبجدية اللاتينية التي تُكتَب بها وحدها حوالي 3000 لغة، وأشهر اللغات التي تستخدمها اللغة الإنجليزية وجُل أو كل لغات أورُبّا والأمريكتين وأستراليا. ومع ذلك فقد فُرِضَت الأبجدية اللاتينية على العديد من شعوب القارتين العريقتين آسيا وأفريقيا، وأصبحت تُكتب بها لغات إما كانت تكتب بأبجديات أخرى أو لم تكن تكتب من الأساس.
وأشهر تلك الأبجديات التي استبدلت بها اللاتينية في العديد من لغات آسيا وأفريقيا وحتى أورُبّا هي الأبجدية العربية، والتي هي بالمناسبة الأبجدية الأشيع بعد اللاتينية في عالم اليوم، فبانتشار الإسلام استخدمت العديد من الشعوب التي أسلمت الحرف العربي لكتابة لغاتها إما لأول مرة أو بدلًا من أبجدية أخرى، ومن أشهر تلك اللغات: الفارسية والتركية والأُردية والبشتونية والكردية والأويغورية والبنجابية والأذرية والسندية والجاوية والإندونيسية والبلطية والكشميرية والروهنجية والصومالية والسواحيلية والماندِنكا. بل وأنه حتى القرن السادس عشر الميلادي كتبت لغات مثل الإسبانية بالحرف العربي في بعض الأحيان.
ولقد تراجعت مكانة الأبجدية العربية كما تراجعت مكانة اللغة العربية بسبب ما فقده المسلمون من نفوذ سياسي واجتماعي وثقافي خلال القرون الماضية، حتى تخلت العديد من اللغات عن الحرف العربي لصالح الحرف اللاتيني أو الكريلي أو غيرهما، وأشهر تلك اللغات التي نبذت الحرف العربي في العصر الحديث اللغة التركية عام 1928م وذلك عقب انقلاب مصطفى كمال أتاتُرك.
ومن اللغات الإفريقية تخلت عن الحرف العربي لصالح الحرف اللاتيني اللغة السواحيلية وهي لغة جامعة في العديد من الدول في شرق أفريقيا، وحتى اللغات التي لم تتخل تمامًا عن الحرف العربي استخدمت الحرف اللاتيني جنبًا إلى جنب معه مثل اللغة الكردية تمهيدًا للتخلي عن الخط العربي لصالح منافسه الأقوى.
وحتى اللغة العربية نفسها لم تسلم من محاولة تلتينها أي تحويلها لتُكتَب بالحرف اللاتيني تحت دعوى سهولته وأنه وسيلة العربية لتكون في مصاف اللغات الكبرى ناسين أن عز هذه اللغات الأورُبية جاء نتيجة لعز الأقوام التي تكتب به وليس العكس، وهو نتيجة متوقعة لتفوقهم العسكري ورواج ثقافتهم الغالبة على الشعوب. أبرز تلك المحاولات التي أرادت إطلاق الرصاص على العربية كانت في لبنان ومصر.
ومجددًا حدث هذا التخلي شعبيًا هذه المرة عن طريق ما يسمى الفرانكو أو العربيزي، وذلك بسبب العقبات التقنية التي حدَّت من كتابة الحرف العربي.
وما يجهله الكثيرون أن تخلي اللغة العربي عن طريقة كتابتها القائمة على نظام "أبجد" بدلًا من "الألفبائية" هو بمثابة انهيار تام ليس لأنظمتها الإملائية فقط، بل لنظاميها الصرفي والنحوي أيضًا، وهو بمثابة قطع لعلاقتها بالقرآن الكريم الذي هو مصدر خلودها إلى اليوم، وهو كذلك شهادة وفاة تُكتَب لها على أيدي بعض من ينتسبون إليها.