لم أكن أتصور أن أكتب منشورًا كهذا لولا الاضطرار؛ فلقد قرأت منشورًا رائجًا في بعض مراحيض التواصل الاجتماعي يزعم فيه صاحبه أن كلمة "مراتي" العامية تعود لأصول مصرية قديمة. والواقع أن هذا المنشور لهو دليل على الهوس المتزايد بنسبة الأشياء إلى غير الإسلام ومن ذلك نسبة لهجات حديثنا إلى غير العربية، إنها أزمة هوية يعززها الجهل والخطل. ورغم بساطة الإدعاء وحمقه إلا أن الإصرار على إعادة نشره يدل على أنه يلقى عند هذه الفئة هوى في نفوسهم الخاوية والمحتقِرة للذات.
ويبدأ كاتبه بالتساؤل عن سبب كوننا نحن المصريون فقط الذين نقول كلمة "مراتي"؟
ولا بد من أن يكون صاحب المنشور مغيبًا عن الواقع أو منعزلًا بشكل تام عن الإعلام في أقطار العالم العربي حتى يجهل أن هذه الكلمة مستعملة في كل البلدان الناطقة بالعربية، وأنها ليست حكرًا على المصريين.
ثم يسوق صاحب المنشور قصة لا دليل عليها لتدعيم إدعائه الباطل، وهي أن كلمة "مراتي" أو "مرتي" هي تحريف حدث مع الوقت لكلمة "ميريت" التي تعني محبوبة، عزيزة، عشيقة. وأن كلمة "تي" أداة ملكية في اللغة القبطية ما زلنا نستخدمها في كلمات مثل: بتاعتي، رسمتي، لعبتي..إلخ
وكلمة "ميريت" بالفعل تعني "المحبوبة" لكن القول بأنها تحولت مع الزمن من "ميريت" إلى "مرات" هو عبث لا دليل عليه، بدليل أن "ميريت" هو اسم علم مؤنث ما زال مستعملًا إلى اليوم وخصوصًا عند طائفة من نصارى مصر.
وصفات الملكية في المصرية القديمة والقبطية ليس من بينها "تي" فإن صفة الملكية في اللغة القبطية تتغير بحسب عدد وجنس المملوك، وهي بالنسبة للمفرد المؤنث "تا" وليست "تي" وقبل أن تقول أن الاختلاف بين الصوتين قريب وأن "تي" و"تا" متقاربتان عليك أن تعلم أن صفة الملكية في القبطية تأتي قبل المملوك وليس بعده، وهي تشبه في هذا اللغة الإنجليزية، فلو افترضنا أن كلمة "ميريت" كانت مستعملة في مصر القديمة وبقيت مستعملة حتى وقت كتابة القبطية فإن القبطي كان عليه أن يقول "تا ميريت" وليس "ميريت تا" مثلما يصح أن تقول في الإنجليزية my wife وليس wife my
أما في النسخ الأقدم من اللغة المصرية القديمة فصفة الملكية للمتكلم المفرد هي "إي" والكلمة المستخدمة للإشارة إلى الزوجة هي "همت" وللمرأة عموما "ست" أو "إبست"
وكاتب المنشور يدعي أن "تي" هي صفة الملكية في اللغة المصرية القديمة أو القبطية، ثم يضرب لنا أمثلة بكلمات عربية كلها تنتهي بتاء مربوطة تحولت عند إضافة ضمير الجر "ي المِلكية" إلى تاء مفتوحة مثل: بتاعتي، رسمتي، لعبتي بدلًا من أن يعطينا أمثلة من اللغة القبطية ذاتها. والأمر يشبه أن أشرح لك قاعدة الزمن الحاضر في اللغة الألمانية ثم أضرب لك أمثلة من اللغة الروسية.
وهذه هي الأمثلة العربية التي يضربها:
1. بتاعتي -> من كلمة "متاعي" الفصيحة يعني أشيائي، ولأنها استخدمت مؤنثةً في العامية أضيفت لها تاء التانيث، فأصبحت "متاعتي" وتحول صوت الميم مع الوقت إلى باء "بتاعتي"
2. رسمتي -> رسم/ة + ي
لعبتي -> لعبة + ي
وأنا الذي أتساءل الآن عن معرفة الناشر بأبسط الكلمات في اللغة العربية. ألم يسمع بكلمة "امرأة" أبدًا؟ ألم يقرأها في القرآن الكريم إن كان مسلمًا! ألم يسمع في العامية قول أحدهم "مَرَة" فهل إذا سمعنا شخص يقول في مشاجرة نابية "انت عامل نفسك راجل، أنا هخليك تقلب مرة" هل نترجمها في أدمغتنا الهيروغليفية إلى "أنا هخليك تقلب محبوبة"؟
الأمر أبسط من ذلك، فمن عادة العوام التخلص من الهمزة في جل حديثهم باعتبارها صوت صعب، فتحولت "إمرأتي" في عامية الحديث إلى "مرتي، مراتي" بحذف الهمزة من أولها وحذفها أو تخفيفها إلى ألف في وسطها، وهي كلمة يشهد لها القرآن الكريم في عدد كبير من المواضع، ومنها:
"إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَليمُ"
"وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ "
"وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)
وأمثلة أخرى كثيرة.
وأجدد مرة أخرى حزني على أن وصل بنا الحال للتأكيد على بديهيات كهذه، لكنها عقول المُحَنَّطين.
ثم يقول كاتب المنشور أن كلمة "محبوبتي" المُدَّعاة أجمل من كلمة "زوجة" التي تعني مجرد المشاركة - وكأن المشاركة معنى سيء مع أنهم صدعوا رؤوسنا بأن المرأة نصف المجتمع، وهو شيء لا أعترض عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن النساء "إنَّما هُنَّ شَقائِقُ الرِّجالِ"، لكن لم لا يلتزم المنبطحون بمبدأ ما؟ لماذا يدورون حول كل شيء بشرط ألا يكون الإسلام وألا تكون العربية!
ويتحدث عن كلمة الجماعة التي تشعر فيها بإنكار الاعتراف بها أو بالخجل من ذكرها، ولا أدري هل أنهى الناشر منشوره بهذه الجملة للتعريض باللغة العربية رغم أنني لا أعرف أن لكلمة الجماعة بمعنى الزوجة أصل في اللغة العربية، وأغلب الظن أن العوام استخدموها بمعناها الحقيقي للإشارة إلى الزوجة والأبناء، فإذا قال "ذهبت ومعي الجماعة" فإنه يعني "ذهبت ومعي زوجتي وأولادي" ومع الوقت أصبح بالإمكان استخدامها للإشارة إلى الزوجة وحدها بدون الأبناء أو للأبناء وحدهم بدون الزوجة، وهذا بحكم العادة.
لكن خلاصة ما في الأمر أن ذلك المنشور لا يُراد به وجه الله وأنه يهدف لضرب ارتباط المصريين باللغة العربية وفي المقابل رفع قيمة لغات ميتة ليس حبًا في تلك اللغات البائدة، بل حسدًا من عند أنفسهم وكرهًا للغة العربية إذ هي الناطقة بألفاظ كتاب الله، فإذا ضربت في اللغة العربية فأنت تضرب في الإسلام علمت ذلك أم لم تعلم.